الفيلسوفة والباحثة “رزيقة عدناني” للمجلة الثقافية الجزائرية



© Le contenu de ce site est protégé par les droits d’auteurs. Merci de citer la source et l'auteure en cas de partage.
Screenshot

لا تكتب رزيقة عدناني لترضي، ولا تفكر لِتُطمئن السائد. منذ أكثر من عقدين، اختارت هذه الفيلسوفة المتميزة أن تقف في المنطقة الأكثر توتراً في الفكر الإسلامي المعاصر: حيث يلتقي المقدس بالسياسي، وحيث يتصادم المعلوم من الدين بالمعقول من الفكر.. صاحبة “الخروج من الإسلاموية” (2024) و”المصالحة الضرورية” و”الإسلام: ما هي المشكلة وتحديات الإصلاح”، والمتوجة بجائزة العلمانية لسنة 2025، هي واحدة من أبرز الأصوات التي تنادي اليوم بإصلاح  يحرر الإسلام من التأويل السياسي الجاهز، ويحرر السياسة من الوصاية الدينية. في هذا الحوار الخاص مع المجلة الثقافية الجزائرية، تعود” رزيقة عدناني” إلى أطروحتها المركزية حول فصل الدين عن السياسة، وتفكك علاقة الفيلسوف باللغة، وتقرأ مأزق المرأة والمشهد الثقافي بعين فيلسوفة، لا تجامل التراث ولا تقطع معه..  نقدم هذا الحوار – لا تبنياً لأطروحاالضيفة – بل إسهاماً في واجب التفكير، وانتصاراً لحق القارئ في الاطلاع على كل الأفكار التي تُنتج في الجزائر وفي المهجر. المجلة الثقافية الجزائرية.. 

\

المجلة : المحور الأول: في تفكيك الجمود – الفلسفة والنص
1. في مشروعكِ لإعادة تفعيل العقل، أين يكمن الخلل الحقيقي برأيكِ: هل في بنية النص التأسيسي ذاته، أم في منظومة القراءة التي تجمدت منذ القرن الرابع الهجري؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تستأنف هذا العقل دون أن تُتهم بمعاداة الإيمان الفطري؟

فعلا إعادة الاعتبار للفكر بوصفه ملكة للتفكير وكمصدر للمعرفة، وللعقل بوصفه ملكة عقلانية تراقب الفكر لكي يتجنب الأخطاء المنطقية حين يقوم بوظيفته، أي بعملية التفكير، هي فكرة رئيسية في أبحاثي وهي أيضا من الأفكار الأولى التي استنتجتها حينما بدأت البحث في مجال الفكر الإسلامي. لأن السؤال الأول الذي طرحته هو لماذا كل تلك التناقضات التي لاحظتها، أي الموجودة، في الخطاب الديني وفي الإسلام الذي يُقدَّم للمسلمين؟ وتوصلت إلى نتيجة أن الفكر العقلاني معطل في الفكر الإسلامي ولدى المسلمين بصفة عامة عندما يفكرون في الإسلام أو يتحدثون عن الإسلام. وكذلك استنتجت أن فشل الحركة الإصلاحية ـ وأعني بهذا الإصلاح الذي يبني الجديد في الإسلام وليس الذي غايته العودة إلى إسلام الأولين ـ سببه أن القائمين بهذه الحركة لم يتمكنوا من إعادة الاعتبار للفكر وللعقل. إن الذين تبنوا موقفا دفاعيا عن العقل وضرورة إعادة الاعتبار إليه لم يتمكنوا من تحسين صورة العقل والفكر في تصورهم. كانوا يدافعون عن العقل ويدعون إلى فتح باب الاجتهاد، أي فتح باب التفكير، لكنهم لم يتخلصوا من خوفهم من الفكر الخلاق والعقلاني. وهذا ما نلاحظه في كلامهم حين يدافعون عنه في كل مرة ينهون كلامهم بالتذكير بحدود استعمال هذا الفكر وهذا العقل، وأين يجب أن يتوقفا حتى لا يضرا بالدين، وهو ما يبين أنهم لم يتخلصوا من نظرتهم للفكر باعتباره عدوًا للدين. منذ انتصار المدارس والتيارات التي اتخذت موقفًا مناهضًا للعقل والتفكير، ما تزال الصورة السلبية للفكر الخلّاق والعقلاني راسخة في أذهان المسلمين. إعادة الاعتبار للفكر والعقل لا تتعلق بالدين فقط، بل بالوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي والفكري للمسلمين برمّته. لأن الصورة السلبية للفكر والعقل لم تنعكس سلبًا على الإسلام فقط، وإنما على كل الميادين الحياتية والفكرية للمسلمين.

لذلك لا يكمن الخلل في النص التأسيسي، أي في القرآن، بل في صعوبة إعادة الاعتبار للفكر الخلّاق والعقلاني. فسّرتُ هذا بالنظريات والمفاهيم التي وضعها المسلمون، والتي تأسس عليها الفكر الإسلامي منذ نحو القرن التاسع، ومنها نظرية السلف. نظرية السلف تقوم على فكرة أن السلف هم فقط من يمتلكون الحقيقة المقدسة، وأن على جميع الأجيال اللاحقة الرجوع إلى علمهم لمعرفتها. لذلك، يقتصر عمل الفكر على تقليد ما وضعه القدماء من تفسير، وتشريع، وعلم كلام. كل فكرة لا توافق ما ذهب إليه السلف تُعدّ كفرًا. وفي إطار نظرية كهذه، لا يبقى مجال لا للتفكير، ولا للفلسفة، ولا لعلم الكلام. أما نظرية طبيعة القرآن، فتقوم على أن الله لم يخلق القرآن كما خلق سائر مخلوقاته، لأن القرآن صفة من صفاته. وبما أن الله موجود خارج الزمن، فإن الأحكام القرآنية بدورها تكون موجودة خارج الزمن. والهدف من هذه النظرية هو وضع القرآن خارج الزمن، فتكون أحكامه بذلك أزلية وثابتة، صالحة لكل زمان ومكان. اختُرعت نظرية القرآن غير المخلوق لتكون دليلًا على أن المسلمين ليسوا بحاجة إلى استعمال تفكيرهم بوصفه مصدرًا للمعرفة في المجال التشريعي. أما نظرية النقل، فيكتفي فيها الفكر بأخذ الحقيقة كما تظهر في النصوص القرآنية من خلال الألفاظ، ثم ينقلها كما هي إلى كتب التفسير. يعتبر أصحابها أن النقل يتيح الوصول بشكل يقيني إلى معرفة معنى النصوص القرآنية، واستنباط الأحكام الشرعية منها كما أرادها الله تمامًا. وفي نظرهم، كلما اقتصر المفسر على المعنى الظاهر للنصوص، كان أقرب إلى بلوغ الحقيقة الإلهية. وهم يعتبرون أن الاعتماد على القواعد العقلية بوصفها معايير للحقيقة أشد خطرًا على الدين من الفكر نفسه.

ومن بين المبادئ: «كل بدعة ضلالة»، و«الدين مسألة قلب لا عقل»، و«النقل لا العقل»، و«بلا كيف». كل هذه النظريات والمبادئ وضعها رجال الدين خصيصًا لمنع الفكر الإنساني من القيام بوظيفته، وهي التفكير، ومنعه من استعمال قوانين العقل منهجًا له. وهي السبب في هزيمة الفكر كقوة مبدعة عند المسلمين، وهو ما تسبّب في سقوط الحضارة الإسلامية. وهي هزيمة ما تزال مستمرة إلى يومنا هذا. ويمكن أن نضيف نظرية الإمامة عند الشيعة ونظرية الأولياء عند الصوفية، اللتين أضفتا على بعض البشر صفات فوق بشرية، وزعمتا أنهم يتلقون الحقيقة مباشرة من الله، وهو ما لا يتعارض فقط مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإسلام، وهي الوحدانية وختم النبوة ببعثة الرسول محمد، بل أدى أيضًا دورًا كبيرًا في تعطيل الفكر الخلّاق والعقلاني. وأضيف شيئًا مهمًا، وهو أن المصلحين، ولا أعني بهذا المصلحين السلفيين، بل المصلحين الذين أرادوا بناء شيء جديد في الإسلام لجعله يتناسب مع العصر الحديث، أرادوا التجديد في الإسلام، ولكنهم لم يتناولوا بالنقد الفكر الإسلامي ونظرياته ومبادئه.

أما عن عبارة الإيمان الفطري، فإذا كنت تعني بالإيمان الدين، فإن الدين ليس حالة فطرية، وإنما هو ظاهرة اجتماعية وثقافية وتربوية. ليس هناك كروموسوم خاص بالدين، والإنسان لا يعرف الدين بطريقة فطرية. لو كان الدين فطريًا لما حرص الآباء والأمهات على تعليم دينهم لأطفالهم. لقد تساءل الإنسان في كل المجتمعات عن وجوده، وعن العالم الذي يوجد فيه، وعن الموت. لكنه كان أولًا تساؤلًا فلسفيا ميتافيزيقيا. لهذا، فالإنسان كان فيلسوفًا قبل أن يكون متدينًا. أما الفلسفة، فهي روح الشك، وبالتالي فهي التي تجعل الفكر يطرح الأسئلة، مما يحفّز الذكاء الذي هو وقود الإبداع. فلا إنتاج علمي ولا إنتاج تقني من دون تساؤل. حتى الدين يحتاج إلى الروح النقدية وإلى التساؤل، لأن تكرار خطاب القدماء وتقليده إلى ما لا نهاية يجعل الخطاب الديني عاجزًا عن طرح الأسئلة الضرورية لسيرورته نحو الحقيقة وهذه هي غاية الدين. إن الدين الذي يعتبر نفسه قد بلغ الحقيقة يقضي على نفسه كدين.


2. المجلة : نلت جائزة « العلوم والعلمانية » عن دفاعكِ عن علمانية تصالحية. كيف يمكن ترجمة هذا المفهوم في السياق المغاربي دون أن يُقرأ كـ « تغريب » أو استئصال للهوية، بل كضمانة للتعددية وحماية الدين نفسه من التوظيف السياسي؟

اللائكية مفهوم ظهر في الغرب والكلمة ذاتها دخيلة على اللغة العربية. لم يكن لها مرادف في القاموس العربي. والكتّاب الذين اهتموا بهذا المصطلح في بداية القرن العشرين اكتفوا بعبارة «الفصل بين السياسة والدين». وبعد ذلك قرر المتخصصون في اللغة العربية ابتكار كلمة تكون مقابلة لمصطلح اللائكية في العربية. فاختاروا مصطلح العَلمانية المشتق من كلمة عالَم. ورأى هؤلاء اللغويون أن هذا المصطلح هو الأقرب إلى معنى اللائكية لأن كلمة «لائكي» كانت تدل في الأصل على شخص متدين، أي ينتمي إلى الكنيسة، لكنه يعيش بين أهله وفي المجتمع، أي في العالم. وذلك لتمييزه عن المتدين الذي ينتمي إلى نظام رهباني يكون فيه منصرفًا تمامًا إلى شؤون الآخرة. غير أن غياب التشكيل في اللغة العربية جعل هذا المصطلح يُقرأ «العِلمانية» المشتقة من كلمة عِلم. وقد أدى ذلك إلى الالتباس فيما يخص معنى كلمة العلمانية. هذا الأمر جعل كثيرًا من المسلمين الناطقين بالعربية لا يفهمون معنى هذه الكلمة. أما المحافظون فقد استغلوا هذا للقول أن صعوبة فهم معناها من طرف المسلمين دليل على أنها مفهوم غريب عن الإسلام والمسلمين. الكثير من المسلمين المعربين تأثروا بهذا الكلام.

ازداد عدم فهم معنى كلمة العَلمانية حين أضاف قاموس منير البعلبكي اللبناني (1918–1999)، عام 1967، كلمة الدنيوية كمرادفٍ لها، مع إضافة أنها تعني «إهمال الدين وكل اعتبار ديني». ونحن نعلم ما يحمل هذا الكلام من دلالة سلبية في الثقافة الإسلامية، حيث يُنظر إلى المؤمن على أنه لا يعيش في هذه الدنيا إلا استعدادًا للآخرة. لا يستطيع المسلمون تصوّر العيش من أجل الحياة الدنيا وحدها. كل هذه المشاكل المتعلقة بمعنى مصطلح «اللائكية» جعلت الكثير من المسلمين لا يتقبلونها. اليوم مثلما كان الأمر في كل التاريخ الإسلامي. المشكل الأكبر والأساسي الذي عانت منه هذه المجتمعات الإسلامية هو التداخل بين الدين والسياسة وما أنتجه من الحروب الدينية وتسلط رجال الدين على السياسة والفكر والإنسان. 

اللائكية كدواء البنسلين؛ ابتكرها الغرب، ولكن المسلمين يمكنهم أن يستعملوها دون أن يعني ذلك تغريبًا أو خروجًا عن الدين. كذلك اللائكية، ولو ابتكرها الغرب، فهذا لا يعني أن المسلمين لا يمكنهم تبنيها إذا احتاجوا إليها أو كانت مصلحتهم في تبنيها. ثم إن السؤال حول طبيعة الإسلام: هل هو دين وتنظيم اجتماعي أيضًا، أم دين فقط؟ قد طرحه المسلمون بعد موت الرسول، مثلما أبيّن ذلك في كتابي «الإسلام: ما هي المشكلة؟ تحديات الإصلاح». انتهوا، بعد نقاش طويل بين من بأنه دين فقط، ومن يرى بأنه دين وتنظيم اجتماعي أيضًا، إلى الأخذ بالموقف الثاني وهو ما عبّروا عنه بقولهم: «الإسلام دين وعمل». أي أن الإسلام دين وتنظيم إجماعي ولا يمكن الفصل بين جانبيه. وطبعا كل تنظيم اجتماعي هو تنظيم سياسي. ومثلما قلت في الكتاب، لا شيء يمنع المسلمين اليوم إذا أرادوا من إعادة النظر في موقفهم من السؤال الذي طرحوه حول طبيعة الإسلام.

في النظام اللائكي لا تستمد الدولة قوانينها من الدين، بل من الفكر البشري، ولا تعتبر نفسها منتمية إلى دين معين، بل هي فوق كل الأديان. حيادية الدولة أمام جميع الأديان لا تعني أن اللائكية ضد الدين، وإنما هي ضد تدخل دين معين في السياسة، عكس ما يقوله المسلمون المحافظون.

عندما تعتبر الدولة نفسها منتمية إلى دين معين، فهي لا يمكنها أن تكون دولة لجميع الأفراد، بل تكون دولة لبعض الأفراد، وهم الذين ينتمون إلى هذا الدين فقط. ولأنه لا يوجد مجتمع أحادي الديانة، وذلك حتى داخل الإسلام نفسه، فهناك أشكال متعددة من الإسلام، فهذا يمنع الدولة من أن تتحقق كدولة حديثة، أي كدولة جميع الأفراد، ويكون جميع الأفراد متساوين أمامها وأمام القانون. لا يمكن لدولة تنتمي إلى دين معين أن تحقق العدالة الاجتماعية لأنها ستفضّل دائمًا دينًا معينًا، دينها ودين بعض الأفراد، على بقية الديانات الموجودة في المجتمع. ناهيك عن الحروب التي تحدث بين الديانات المختلفة، لأن كل طرف يريد أن تكون له السلطة السياسية ليفرض دينه. وهو ما نراه اليوم في سوريا من حروب بين الشيعة والسنة، وفي الجزيرة العربية كذلك، وبين المحافظين الأصوليين والحداثيين الذين يمزقون الشعب الليبي. التداخل بين الدين والسياسة في الإسلام أنتج أربعة عشر قرنًا من الحروب الدينية بين المسلمين.

إن التداخل بين الإسلام والسياسة بلغ حدًا كبيرا، في الكثير من المجتمعات الإسلامية، تغيّرت فيه طبيعته كدين، بل أصبح سياسة أكثر ما هو دين. ولم تعد فيه السياسة سياسة، بل تحولت إلى دين غايته الحفاظ على مصالح رجال الدين وضمان مكانتهم في الجنة، بدل البحث عن الوسائل التي تحقق الرفاهية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للفرد. ومثال ما يحدث في أفغانستان، حيث يفضل رجال الدين الذين استولوا على السلطة الفقر والجهل على العمل والعلم، ظنًا منهم أنهم يطبقون قوانين الله وأنهم بذلك سيذهبون إلى الجنة. هذا هو سبب أزمة السياسية والثقافية والإنسانية للكثير من الدول الإسلامية وعجزها عن الخروج من التخلف، وهروب شبابها إلى الغرب. ليس دور الدولة حماية الدين، ولم يبتكر الإنسان الدولة لهذا الغرض. مثلما بيّن فلاسفة العقد الاجتماعي، الدولة عقد اجتماعي بين الأفراد. الله لا يحتاج إلى دولة لكي تحميه. إن وظيفة الدولة ودورها هما السهر على حماية حقوق الفرد وتحقيق رفاهيته. لذلك فأنا أوافقك عندما تقول إن الفصل بين الدين والدولة هوضمانة للتعددية وحماية الدين نفسه من التوظيف السياسي. وأضيف أنه دليل على النضج الإنساني والسياسي.

3. المجلة : عنوان كتابكِ « الخروج من الإسلاموية » يثير الكثير من الجدل. هل تقصدين به القطيعة الإبستمولوجية النهائية مع الإسلام السياسي، أم تقصدين إعادة الإسلام إلى حيزه الروحي والأخلاقي الفردي؟ وكيف تقيمين تجارب شمال إفريقيا في هذا المسار؟

في كتابي «الخروج من الإسلاموية» أدعو إلى القطيعة النهائية مع الإسلام السياسي أو مع «الإسلاميزم». استعملت كلمة إسلاميزم بمعنى الإسلام السياسي.

أيْ: الفصل بين الدين والسياسة حتى يصبح الدين دينًا، والسياسةُ سياسةً. إن التداخل بين الإسلام والسياسة لم يكن في صالح الإسلام، ولا في صالح السياسة. هذا الخلط بين الدين والسياسة غيّر طبيعة الإسلام وحوّله إلى سياسة. أصبح التشريع والفقه والقوانين التي تنظم المجتمع، وهذه كلها أمور تنتمي إلى الميدان السياسي، أكثر أهمية بالنسبة للمسلم من الجانب الديني، أي الروحي. هذا التداخل بين السياسة والدين قضى أيضًا على قدرة السياسة على أن تكون سياسة. أصبحت تهتم بأمور الدين، وعندما يكون هناك تعارض بين الدين والسياسة، تختار الدين، مما يبعدها عن وظيفتها الطبيعية التي هي العمل على تحقيق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لا بد من الفصل بينهما. من المؤكد أن الفصل بين الإسلام والسياسة سيؤدي منطقيًا إلى إسلام يهتم بالحاجة الروحية للفرد، وليس بتنظيم المجتمع. ولكن لا بد ألّا يفهم البعض أنني أدعو إلى الإسلام الصوفي. فللإسلام الصوفي مشكلاته أيضًا، كما شرحتُها في كتبي؛ لأن الصوفية ساهمت في تعطيل الفكر العقلاني الخلاق، لأنها تقوم على إبستيمولوجيا لا تعترف به كمصدر للمعرفة.

أدعو أيضًا إلى القطيعة مع هذا المفهوم، «إسلاميزم»، مثلما عرّفه الجامعيون الفرنسيون. أنا لا أرفض تطور معاني الكلمات، أي لا أعارض أن كلمة «إسلاميزم» تعني اليوم الإسلام السياسي، لكنني أرفض قولهم إن الإسلام السياسي ظهر في القرن العشرين وليس له علاقة بالإسلام، وذلك لسببين:

الأول: هذا التعريف لا علاقة له لا بتاريخ الإسلام ولا بالفكر الإسلامي ولا بالإسلام الذي أراده المسلمون الأولون، لأن التداخل بين السياسة والإسلام لم يحدث في القرن العشرين مثلما يقول الجامعيون في فرنسا، بل حدث في فترة المدينة، أي سنة ٦٣٢، عندما هاجر محمد إلى المدينة، وأسس أول مجتمع إسلامي ترأسه ونظمه، وعندما اكتسبت بعض الآيات القرآنية طبيعة تشريعية. ثم إن السؤال: هل الإسلام دين فقط أم دين وتنظيم اجتماعي، أي سياسة؟ طُرح مبكرًا في الإسلام. وفي كتابي أرجع ذلك إلى ما يسمى بحروب الردة، وكذلك ظهور الصوفية التي تقوم على فكرة أن الإسلام دين فقط وليس قوانين اجتماعية. لذلك انتقدت ما سميته المدرسة الفرنسية التي وضعت المفهوم ليس حسب ما يقوله التاريخ والنصوص، ولكن حسب اعتباراتها السياسية، وهو ما يمسّ الروح العلمية وشروط البحث العلمي.

الثاني: لأنني منذ سنوات وأنا أدعو إلى الإصلاح الذي يحرر الإسلام من تفسير الأولين للنصوص، واختيارهم للآيات التي أرادوا تطبيقها، وتصورهم للدين الذي يعود إلى قرون بعيدة عنا. الغاية إيجاد الحلول للمشاكل المطروحة اليوم في الإسلام الذي يقدمه للمسلمين رجال ونساء الدين.

لقد قرر الجامعيون الفرنسيون تقديم الإسلام السياسي كسببٍ لكل المشاكل المطروحة وقرروا أن هذا الأخير لا علاقة له بالإسلام. في هذه الحالة، لا داعي للإصلاح التطوري طبعًا. الرغبة في الإصلاح، في أي ميدان كان، تحدث عندما تكون هناك مشكلة وشعور بوجودها، وعندما يثير هذا الشعور الرغبة، ثم الإرادة في حلها. التعريف الذي وضعه الفرنسيون، والذي انتشر بعد ذلك في الغرب كله، يمثل حاجزًا أمام إصلاح الإسلام وأمام أخذه موضوعًا للتفكير بشكل عام.

 كلمة «إسلاميزم» في حد ذاتها لم تُعرَف في تاريخ الإسلام؛ وضعها الفرنسيون في القرن السابع عشر، لكنها كانت تشير آنذاك إلى الديانة الإسلامية. في نهاية السبعينيات، غيّروا معناها، فأصبحت تعني الإسلام السياسي.  ظهور مصطلح الإسلام السياسي في القرن العشرين لا يعني ظهور الإسلام السياسي في القرن العشرين.

المحور الثاني: اللغة والأدب – سلطة الكلمة
4. تكتبين بالفرنسية فكراً يتناول تراثاً عربياً إسلامياً في جوهره. إلى أي مدى تمنحكِ « اللغة البديلة » مسافة نقدية ضرورية؟ وهل تشعرين أن هناك شحنات دلالية ووجدانية تُفقد عند نقل الفكر الفلسفي إلى السياق العربي؟

أكيد أن الفكر الذي لدي اليوم، وكذلك الأفكار والثقافة التي لدي اليوم، لو كانت لغتي هي اليابانية أو الإنجليزية أو العربية فقط آو الأمازيغية فقط وليست الأمازيغية والعربية والفرنسية، ولو لم أتعلم هذه اللغات الثلاث، ولم أفكر بها. ثم إن تعلّم لغات مختلفة وإتقانها لا يمنحنا مسافة نقدية، مثلما تقول، فقط، بل يغنينا معرفيًا ويغذّي فكرنا ويوسّع آفاقه. ليست اللغة الفرنسية اللغة البديلة، بل هي إحدى اللغات الجزائرية التي لها اليوم تقريبا قرنين من الوجود على هذه الأرض، لذلك فهي جزء من تاريخ الجزائر، وعامل من عوامل خصوصيتها التي تميزها عن غيرها من الدول العربية والمستعرَبة. الفرنسية اليوم يتحدث يها حولي 260 مليون إفريقي. لذلك فهي اليوم لغة إفريقية.

إن مجال بحثي وعملي هو الفلسفة والإسلام والفكر الإسلامي الذي هو جزء لا يتجزأ من الإسلام. هذا الفكر الإسلامي ساهم في إنتاجه كثير من الشعوب الإسلامية التي لم تكن عربية، بل التاريخ يبين أن نسبة العروبة فيه قليلة جدًا. وتذكيره مهم، وأعتقد أنه رد للإعتبار لكل هذه الشعوب التي ساهمت في إثراء هذا التراث.

5. كان الأدب عند سارتر وكامو حاملاً للمشروع الفلسفي، بينما يبدو أن الفلسفة العربية المعاصرة انكفأت في دراسات أكاديمية جافة بعيداً عن الرواية والمسرح. لماذا برأيكِ هذا الانفصال؟ وهل تفكرين في خوض تجربة السرد الروائي كحامل لأفكاركِ؟

 إن سارتر وكامو كانا فيلسوفين قبل أن يكونا أديبين، من جهة، ومن جهة أخرى، فللفلسفة مكانة معتبرة في الثقافة الفرنسية، عكس المكانة التي لها في الثقافة الإسلامية التي تنتمي إليها الجزائر. لذلك إذا كانت الفلسفة تكتفي بالدراسات الأكاديمية الجافة، مثلما تقول، فلأنها ما تزال تعاني من التهمة ـ تهمة كونها خطرًا على الدين ـ التي ألصقها بها التيار التقليدي الأصولي الذي ما يزال يهاجم الفلسفة.  هذا التيار انتشر كثيرًا في بداية هذا القرن في العالم الإسلامي. لا يمكن لأي ميدان فكري أن يتطور ويبدع وهو متهم. في الحقيقة، ليست الفلسفة هي التي تعاني فقط من هذه الوضعية، وإنما العلم والفن والأدب أيضًا. ومن دون شك، لهذه الوضعية علاقة بالتهمة التي التصقت بالفلسفة لأن الفلسفة هي أولًا تساؤل يعبر عن روح الشك وهما أساسيان في كل بحث وإبداع. وضعية الفلسفة مرتبطة بالنظرة السلبية للفكر الخلاق والعقلاني في الفكر الإسلامي الذي شهد هزيمة كبيرة حين اختار المسلمون الموقف الذي اعتبر أن المعرفة معطاة من طرف الوحي وليست مبنية من طرف الفكر وذلك حوالي القرن الثاني عشر.  لا يمكن للأديب أن يبدع في مجتمع يرفض الحرية الفكرية والإبداع والعقلانية ويجعل الله مبررًا للزجّ بالإنسان وفكره، لا ننسى أن الإنسان هو الذي يبني الحضارة.

6. المجلة : أسستِ مبادرة « الأيام الدولية للفلسفة بالجزائر » عام 2015. في زمن طغيان « صناع المحتوى » والدعاة الجدد، كيف يمكن للمثقفوالفيلسوف أن يستعيد دوره العضوي وسلطته الرمزية في الشارع؟

لكي يتمكن المثقف والفيلسوف من أن يستعيدا دورهما ومكانتهما في المجتمع بشكل عام، لا بد أن يتناولا المشاكل التي تهم المجتمع، وأن يكونا قريبين من تساؤلات الفرد ومخاوفه، وهي كثيرة، بما فيها المخاوف المستقبلية، كالخوف اليوم من الذكاء الاصطناعي والتقلبات المناخية. الفلسفة، وإن كانت لا تعطي أجوبة نهائية، فهي تقدم حلولًا مختلفة، مما يثير عند الفرد التفكير والبحث. فكرت في إنشاء «الأيام الدولية للفلسفة بالجزائر» لأنني كنت مقتنعة بأن الجزائريين ليسوا بمعزل عن المشاكل التي يطرحها الإنسان اليوم. وهذا ما قلته في مداخلتي الافتتاحية للأيام الفلسفية الجزائرية. حرصت في اختياري للمواضيع القريبة من المجتمع الجزائري واهتماماته وتساؤلاته. وجدت هذه الأيام تجاوبًا كبيرًا من أطرف الجزائريين، مما يدل على وجود حاجة لمثل هذه الأيام، وأن الفلسفة، باستثناء الأصوليين، ما تزال تجذب و تهم الجزائريين لأنها تهتم بالإنسان وتمكنه من التعبير عن طبيعة لكائن يسائل ويفكر.

المجلة : المحور الثالث: المرأة والجيل الجديد
7. في كتاباتكِ عن المرأة والحجاب، تفككين تقاطع المقدس بالاجتماعي. كيف تقرئين مأزق المرأة المثقفة اليوم، العالقة بين سعيها للتحرر الفكري وخوفها من الوصم بالتبعية للغرب؟

ليس كل تقدم اجتماعي أو ثقافي تبعيةً للغرب، كما يدّعي المحافظون والمدافعون عن الإسلام السياسي. المساواة والحرية واحترام الكرامة الإنسانية ليست قيمًا غربية، وإن كانت من القيم التي تقوم عليها الحضارة الغربية المعاصرة. وإنما هي قيمٌ إنسانية، وبالتالي، فإن تبنيها ليس له علاقة بالتبعية للغرب.

الآية 105 من سورة 5 مثلًا تعترف بالحرية الفردية. لكن المسلمين رفضوا الاعتراف بها. لم يدرجوها ضمن الأوامر القرآنية التي احتفظوا بها ونقلوها في كتبهم التشريعية. بل بالعكس اعتبروها منسوخة، أي أبطلوها. يقول السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» إن هذه الآية نُسخت بالحكم الذي يأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. معناه أن رجال الدين، بدل الحرية الفردية، فضلوا الآيات التي تجعل الفرد تحت رقابة الغير والمجتمع. والمشكل أن المسلمين اليوم، وإن كانوا جامعيين، يتهمون الشخص الذي يطالب باحترام الحرية الفردية بأنه تابع للغرب.

نفس الأمر نلاحظه بالنسبة للحرية الدينية. هناك آيتان تؤكدان عليها بشكل دقيق، وهما الآية 29 من سورة الكهف: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ والآية 256 من سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. لكن المسلمين قرروا عدم تطبيق حكم هاتين الآيتين. أغلب علماء الدين اعتبروا أن هذه الحرية الدينية لا تخصّ إلا غير المسلمين، وهو ما لم يقله القرآن أبدًا. لذلك فالحرية، مثلما قلت، قيمة إنسانية، بدليل أن كل إنسان يحب الحرية ويسعى إليها.

أما عن الحجاب، فلا توجد في القرآن آية واحدة تقول صراحة إن المرأة يجب أن تغطي شعرها أو وجهها. بل إن كلمة «حجاب» بوصفها لباسًا خاصًا بالمرأة لم تُذكر أصلًا في القرآن. وإنما الذين قالوا بذلك هم المفسرون. أما الآية 31 من سورة النور ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، التي تتكرر في خطاب المدافعين عن الحجاب كدليل على أن الحجاب فرض قرآني، فهي تقول إن المرأة يجب أن تغطي «جيوبها»، ولا تقول إنها يجب أن تغطي شعرها أو وجهها. و«الجيوب»، عند بعض المفسرين، تعني فتحة الثياب، وعند البعض الآخر الصدر. أما كلمة «الخمار» فلا تعني غطاء الشعر، بل تشير إلى كل ما يُستعمل للتغطية، مثلما نقرؤه في «لسان العرب» لابن منظور. لذلك، فالحجاب فرضه رجال الدين، ولكنه كان موجودًا في المجتمعات المتوسطية قبل الإسلام بكثير من القرون، وكان دوره اجتماعيًا بحتًا.

ما تسميه «مأزق النساء» اليوم أنهن متعلمات وجامعيات، لكنهن لا يستعملن تكوينهن للقراءة والاطلاع بأنفسهن على القرآن لمعرفة ما يقوله. أي إنهن، رغم تكوينهن، لم يتحررن من التبعية للخطاب الديني. أي إن أزمتهن تكمن في عدم القدرة على التحرر من التبعية لرجال الدين. وإن كان هذا لا يخص النساء فقط، بل الرجال أيضًا. في كتابي الأخير، قلت إن المعرفة لا بد أن تكون اليوم السلاح ضد الأصولية الدينية والإسلام السياسي. وكل ما أقوم به من عمل يدخل في إطار هذه المعركة المعرفية.

8. المجلة : الجيل الجديد يعيش تمزقاً وجودياً بين عالم افتراضي معولم بلا حدود، وواقع محلي محافظ. ما هي وصفة « المصالحة الضرورية » التي تحدثتِ عنها سابقاً، ليجد هذا الجيل توازنه دون السقوط في التطرف أو الاغتراب الكامل؟

«المصالحة الضرورية» هي عنوان كتابي الذي صدر لأول مرة في الجزائر عام 2013، ثم في فرنسا عام 2014. أعني بها أولًا مصالحة الجزائريين وكل المغاربة أي الشعوب الأمازيغية مع تاريخهم، وبالتالي مع هويتهم. الشعوب المغاربية التي هي أمازيغية ـ لأنه ولم يحدث هناك نزوح قبائل عربية إلى المغرب الكبير أو استبدال السكان الأصليين بالعرب ـ مثلما بيّنته في كتابي لمن يريد المزيد من التفاصيل عن الموضوع. وإذا كان الكثير من الأمازيغ يتحدثون اليوم باللغة العربية فهذا ليس دليلًا على أنهم عرب. ولكن حدث هناك تعريب لأسباب سياسية ودينية ولغوية. والمشكل لا يتمثل في هذه النقطة، ولكن تكمن المشكلة في كون الكثير منهم يدّعون أنهم عرب وهو ما يعنيه رفضهم لهويتهم ولذواتهم ولتاريخهم. يقول ابن خلدون إن الأمازيغ كرهوا جذورهم البربرية وابتدعوا أصولًا عربية. أكيد أن الأمر لم يخص كل الأمازيغ بدليل أن منهم الكثير ممن استمروا في استعمال لغتهم الأصلية إلى غاية اليوم وذلك من سيوة في مصر إلى جزر الكناري.

 السؤال الأساسي الذي طرحته في الكتاب يتعلق بانعكاسات هذه الظاهرة على سلوك هذه الشعوب وحياتها بشكل عام. بالنسبة لكل شخص، لا يمكن أن تكون له علاقة سليمة مع الغير إذا لم تكن له علاقة حسنة مع نفسه ونفس الأمر بالنسبة لكل شعب. والعلاقة الحسنة مع الذات هي العلاقة الحسنة مع التاريخ ومع اللغة لذلك ربطتُ بين هذه العلاقة السلبية مع الذات والعنف اليومي الذي يسود في مجتمعنا: عنف داخل العائلة وفي الشارع وفي مكان العمل. لا يمكن للشعب لا أن يبني مستقبله إذا لم يكن فخورا بنفسه بلغته وبتاريخه كل تاريخه. التاريخ هو التاريخ هو التاريخ لا يمكن أن نختار مرحلة دون مرحلة. التاريخ لا يمكن أن نخضعه لأحساسينا و رغباتنا، بل لا بد أن تكون دراسته موضوعية أي نترك الأحداث تتحدث عن نفسها. و التاريخ نعتز به بما فيه من انتصار أو هزيمة.

 لذلك فإذا كان يجب الحديث عن التمزق الوجودي فهو يتمثل في هذه العقدة السلبية اتجاه التاريخ والذات التي تعاني منها المجتمعات المغاربية وما تزال مستمرة إلى يومنا هذا.  المصالحة مع التاريخ والذات هي التي تجعل الجيل الجديد يواجه العالم الجديد بقوة نفسية إيجابية. المصالحة الثانية التي اعتبرتها ضرورية هي المصالحة مع إنسانيتنا ومع الأخلاق الحقيقية.

الممجلة: الحور الرابع: خاص – المشهد الثقافي الجزائري
9. درستِ ودرّستِ الفلسفة في الجزائر قبل انتقالكِ إلى فرنسا. كيف تقيمين المشهد الفكري الجزائري اليوم؟ وهل ترين قطيعة حقيقية بين رعيل المؤسسين (مالك بن نبي، محمد أركون) والباحثين الشباب؟ أين الحلقة المفقودة؟

بالنسبة لمحمد أركون ليست هناك قطيعة بينه وبين شباب اليوم لأنه أُبعد عن الجزائر من طرف الأصوليين والمتشددين الذين لم يعجبهم فكره الناقد للفكر الموروث. أما بالنسبة لمالك بن نبي وإن كان فكره قد عرف تطورًا إلا أنه بشكل عام ذو اتجاه ديني تقليدي محافظ.  لقد كان معجبًا بحسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين ونوّه بفكره واعتبره الفكر الذي يمكنه أن يؤسس حضارة.  يمكن معرفة المزيد عن الموضوع في كتابه « العولمة » ص.75 إلى 63. لذلك لا أعتقد أن هناك حلقة مفقودة أو قطيعة بين فكره والفكر الغالب لدى الطبقة المثقفة في الجزائر.  

يصعب الحديث عن المشهد الثقافي في المجتمع الجزائري؛ لأنه ما يزال يُزجَر فيه الفكر الحر والفكرُ العقلاني. ما نزال في الجزائر نعتبر أن من لم يحترم «المعلوم من الدين» يعاقب. ما معنى المعلوم من الدين؟ وهل هو معيار للحقيقة؟ «المعلوم من الدين» معناه ما هو معروف عن الدين، أي ما ورثناه، وما قيل لنا إنه الحقيقة. في كل المجالات، البحث والإبداع يقومان على الشك فيما نعرفه، والبحث لمعرفة ما إذا كان فعلًا حقيقة أم لا. فغاستون باشلار يقول إن العلم يتقدم من خلال تصحيح الأخطاء. لم يكن المعلوم يومًا معيارًا للحقيقة. فالإنسان كانت لديه معلومة راسخة، وهي أن الأرض مسطحة، ولكن العلم أثبت أنها كروية. المجتمع الجزائري يرسّخ في أبنائه الحفاظ على الماضي، وليس الانفتاح على المستقبل. اليوم، وسائل التواصل الاجتماعي تسمح بحرية فكرية لم تكن متوقعة.

10. المجلة : إن خلال تجربتكِ في « الأيام الدولية للفلسفة »، هل نجحت الجامعة الجزائرية في تحويل الفلسفة إلى أداة تفكير نقدي ومجتمعي حي، أم أنها لا تزال تُدرس كـ « تاريخ للأفكار الميتة » هروباً من الصدام مع السائد؟

لم تنجح الجامعة الجزائرية في تحويل الفلسفة إلى أداة للتفكير النقدي، لأن الجامعة جزء من المجتمع. والمجتمع الجزائري ذو ثقافة يغلب عليها الفكر الديني التقليدي الذي بني على رفض الروح النقدية والفكر الخلاق، الذي يتجاوز المعلوم والمعروف، والذي يعتبر الفلسفة تهديدًا للدين. عندما تكون الثقافة السائدة هي ثقافة تقليد ما قام به رجال الدين القدماء واعتباره حقيقة مقدسة ومطلقة، يصعب على الفرد، عند وصوله إلى الجامعة، أن يصبح قادرًا على التعبير عن فكر نقدي مستقل منتج للأفكار. الفلسفة هي الروح النقدية ذاتها. ولا ننسى التاريخ، تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي الذي يبين كيف تعرضت لهجمات رجال الدين، مثل الغزالي وابن تيمية، وتعرض الفلاسفة للمضايقة والاضطهاد. لم تستطع الفلسفة أن تتعافى من محنتها. أما في الغرب، فقد انتهى الأمر بالفصل بين الفكر والدين، وبين الفلسفة والدين، بما أتاح لكل منهما أن يزدهر في مجاله الخاص. بينما فضّل المسلمون القضاء على الفلسفة من أجل حماية الدين، وهو وضع لا يزال قائمًا حتى اليوم. لذلك أقول باللائكية الفكرية، أي الفصل بين العلم والفلسفة والدين. في أبحاثي أبين أن الدين نفسه يحتاج إلى الروح النقدية والحرية الفكرية مثلما قلت.

الجامعة نفسها لها مسؤوليتها في هذه الظاهرة لأنها لا تفصل بين الفلسفة والدين مثلما تفصل بين علم الاجتماع والدين، بل حتى بين علم الاقتصاد والدين. تسمح الجامعة الجزائرية لأستاذ الفلسفة أو علم الاجتماع أو الاقتصاد أن يكون في الوقت نفسه داعية دينيًا وكأن الأمر عادي. لا يمكن أن نتوقع من الفرد الذي يحمل ثقافة تقوم على الخوف من الحرية الفكرية وعلى التبعية المطلقة للفكر الديني التقليدي أن يصبح بين عشية وضحاها، عندما يدخل الجامعة، شخصًا يعبّر عن فكر نقدي ويمارس حرية التعبير والتفكير. وأخيرًا، لكي تزدهر الفلسفة في المجتمع الجزائري، ينبغي أن يبدأ الأمر منذ الحضانة، بتعليم الطفل ألا يخاف من استخدام فكره، وأن يتعلم التمييز والفصل بين مجال الدين ومجال الفكر.

المجلة : يعيش الحراك الثقافي الجزائري على وقع جدلية لغوية مزمنة: تعريب، فرانكفونية، واليوم انجليزية. هل ترين في هذا الصراع ثراءً ديمقراطياً، أم استنزافاً يمنع تشكل مشروع فكري جزائري موحد؟

تحول عبارة الحركة الشعبية أو الحركة الثقافية إلى حراك شعبي أو حراك ثقافي يدخل فيما سميته ظاهرة تذكير اللغة العربية، أي تحويل كلماتها التي هي على صيغة مؤنثة إلى كلمات هي على صيغة مذكرة. وقد نبهت إلى ذلك في مقال نشرته في جريدة Le Soir d’Algérie.

أشرت فيه إلى كون النائبات الجزائريات يكتبن أمام أسمائهن «نائب» كعنوان لوظيفتهن بدلًا من «نائبة». كما فضل البعض منهن خلال الحملات الانتخابية المصطلح «مترشح» بدلًا من «مترشحة». هذه الظاهرة اللغوية الغريبة لا ترجع إلى عيب في اللغة العربية، بل إلى الرغبة في التدخل في هذه اللغة لتغييرها وتعديلها بغاية تخليصها من مصطلحات تذكر بالأنوثة. حرمان. اللغة من بعض كلماتها يضعفها، مما ينعكس حتمًا على الفكر الذي يستخدمها، وذلك بتضييق مجاله.  هذه الظاهرة سببها تأثير التيار المحافظ الذي يريد مسح كل وجود للأنوثة في العالم الخارجي. والغريب أن هؤلاء، بشكل عام، من الذين يعادون اللغة الفرنسية، لكنهم يقلدونها. لأن عبارة الحركة الثقافية، إذا كانت مؤنثة، فهي مذكرة في اللغة الفرنسية حيث نقول

Mouvement culturel

بالنسبة للنقاش حول اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، فكل نقاش محمود ما دام الكل يمكنه التعبير عن رأيه بالحجة، وليس بالسبّ والاتهام. عندها فقط يمكن أن يكون النقاش ديمقراطيًا.  والجزائر، بالعكس، لا تحتاج إلى فكر موحد، لأن ذلك يعني رفض المختلف، وهو أول أسباب الزجّ بالفكر ومنعه من التعبير.

المجلة : يلاحظ كثيرون أن الإبداع الجزائري لا يزال أسير « عقدة الذاكرة الجريحة » – الثورة والعشرية السوداء. برأيكِ، متى وكيف يتحرر النص الأدبي والفكري الجزائري ليطرح أسئلة المستقبل الكونية بدلاً من اجترار الماضي؟

الجواب: يتحرر النص الأدبي والفكري الجزائري ويكون قادرًا على طرح الأسئلة المتعلقة بالمستقبل وبالكون عندما يكون الفكر حرًا ويعترف له المجتمع بهذه الحرية. لا يمكن أن نطرح الأسئلة التي تتعلق بالمستقبل دون أن تكون هناك قدرة وحرية على تصور أو تخيل هذا المستقبل. كل تخيل هو تخطي للموجود والمعلوم و شرط في الإبداع. يؤكد الفيلسوف الفرنسي غاستون بشلار على التخيل أو التصور imagination الخلاق الذي يمكننا من تجاوز الواقع بوصفه أساسًا للتقدم العلمي والحضاري.

يشهد المجتمع الجزائري تصاعدًا في النزعة المحافظة والتقليدية الدينية، وهو ما يتعارض مع الإبداع والخيال الخلّاق الذي يتجاوز الواقع لطرح أسئلة مستقبلية. لا بد من تغيير جذري في منظومة القيم والثقافة بشكل عام إذا أراد الجزائريون الخروج من اجترار الماضي. القيمة الأولى التي يجب تغييرها، بل التحرر منها، هي الإبستمولوجية السلفية التي قدس الماضي والنظرة السلبية للفكر الخلاق والعقلاني. أؤكد دائمًا على صفتي «الخلاق» و«العقلاني» لأنه هو المعطل.   و ليس الفكر الذي يقلد الماضين ويعمل من أجل تبرير كل أعمالهم والذي يحتكم إلى العواطف وليس إلى المنطق (العقل) ثم عندما نتحدث عن الماضي والماضين، يجب أن نؤكد أن الماضي المقدس الذي يهيمن على الحاضر هو الماضي الديني التقليدي السلفي. فكر المعتزلة والفلاسفة فكر ماضٍ أيضًا، لكنه مكروه ومتهم، لأنه يمثل هذا الفكر الخلاق والعقلاني الذي ما يزال معطلًا. عندما يكون الفكر العقلاني المبدع، أي الذي ينشئ أفكارًا جديدة، متهمًا في ميدان معين، لا يمكنه أن يترعرع في ميدان آخر. أكبر خطأ وقع فيه المسلمون في القرن العشرين هو اعتقادهم أنهم يمكنهم أن يتقدموا تكنولوجيًا وعلميًا ويظلوا تقليديين في قيمهم. وأولها فرض الصمت على الفكر في ميدان الدين. لا يمكن للفكر أن يبدع في ميدان العلم والتكنولوجيا إذا لم يكن حرًا. والفكر إما أن يكون حرًا وإما أن ألّا يكون حرًا. لكنه لا يمكنه أن يكون حرًا في ميدان ومقيدًا في ميدان آخر، خاصة وأن المسلمون يريدون أن يسيّر الدين جميع الميادين. لا يمكن لمجتمع أن يشجع العلم ويضع قوانين تعتبر أن مجرد مخالفة «ما هو معلوم من الدين» تُعدّ جريمة. لا يمكن للنص الأدبي والفكري أن يتجه نحو أسئلة المستقبل إلا حين يتحرر من هذه النظرة، ويستعيد ثقته بقدرته كإنسان على التفكير والإبداع. يجب أن تكون هناك ثورة فلسفية إبستمولوجية.

 في كتابي «الإسلام: ما هي المشكلة وتحديات الإصلاح»، الإصلاح التطوري، بيّنت كيف أن المسلمين قرروا، حوالي القرن العاشر، الأخذ بالموقف الذي اعتبر أن المعرفة معطاة عن طريق الوحي وكذلك يجب أن تُنقل إلى الأجيال القادمة، ورفضوا الموقف الذي اعتبر أن المعرفة لا بد أن تكون أيضًا مبنية بواسطة الفكر. طبعًا، لا يمكن أن تكون هناك ثورة إبستمولوجية دون أن يكون هناك وعي بالمشكلة وأسبابها.

أما عن «عقدة الذاكرة الجريحة»، فكل المجتمعات لديها ذاكرتها المجروحة، مثلما أن لكل فرد ذاكرته المجروحة، لكن هناك من يستسلم لها، وهناك من يقول: «هذا ماضٍ، ولا بد من أن أتطلع إلى المستقبل لأواجهه». والسبب في الاستسلام لجروح الماضي هو الرغبة في مواساة النفس في عدم فدريتها على تحمل مسؤولية المشاكل الحاضرة وبناء المستقبل. عدم إجترار الماضي لا يعني نسيان الماضي أو التقليل من شأنه، وقد تطرقت إلى أهمية التاريخ ومعرفته في كتابي «المصالحة الضرورية»، لكن يعني أن الماضي لا يجب أن يكون سببا في عدم مواجهة مشاكل الحاضر أو حجة لتبرير الضعف وعدم التطور.

© Le contenu de ce site est protégé par les droits d’auteurs. Merci de citer la source et l'auteure en cas de partage.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *