الجزائر حبيبتي » يطرح تساؤلات جد مهمة تستدعي التعمق فيها » « Algérie, mon amour » soulève des questions qu’il est nécessaire de creuser

« الجزائر حبيبتي » يطرح تساؤلات جد مهمة تستدعي التعمق فيها » Algérie, mon amour

في الفيلم الوثائقي « الجزائر حبيبتي  » للمخرج « مصطفى كسوس »، « أنيس »، « مهدي »، « صونيا »، « عثمان » و »هانية » تطوقوا إلى المشاكل السياسية والاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الجزائري. عبروا عنها بكل تلقائية مثلما يعيشونها ويفكرون فيها. من المفروض أن يكون ذلك فرصة ليغوص الجزائريون في تلك المشاكل من أجل تحليلها وفهم أسبابها.  يمكن لهم أيضا إذا أرادوا أن يطرحوها بشكل مختلف أو أن تكون لهم أراء أخرى.  المهم أن يكون هناك نقاش موضوعي حقيقي واقعي حول هذه المشاكل من أجل البحث عن حلول لها خاصة أن الجزائر تريد أن تبني نفسها من جديد. لكن ما حدث أن الجزائريين فضلوا إنكارها والادعاء بأن المشاركين في الفيلم لا يمثلونهم وأنهم وقعوا في مؤامرة صاحبها مخرج الفيلم ، كل هذا في  كلام يغلب عليه طابع العنف. 

إن إنكار مشكلة لا يعني عدم وجودها 

الغريب أن كل الشعب الجزائري يعرف أن المشاركين في الفيلم لم يخترعوا تلك المشاكل. وهنا تكمن المشكلة لأن للذين لا يشربون الخمر لا يمكن أن يتظاهروا بأنهم لا يعرفون أن في الجزائر هناك رجالاً ونساء يشربون الخمر. حسب صحيفة TSA، استهلك الجزائريون 270 مليون لتر من الكحول في 2017. مثلما لا يمكن للرجال أن ينكروا أن قانون الأسرة قانون غير عادل ومهين لكرامة المرأة. والدليل على كونه مشكلة اجتماعية عميقة أن الجزائر تصاب بالهستيريا كلما تطرحت مشكلة قانون الأسرة. في الحقيقة إن الجزائر أمام اختيارين: إما أن تلغي هذا القانون ولتزيد من حضضوها من أجل الدخول في عصر الحداثة وإما أن تحتفظ به وتبقى على تخلفها. كذلك إما أن يقبل الجزائريون المساواة بين الرجال والنساء وتكون تلك الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر عدلاً، وإما أن يعيشوا إلى الأبد مقهورين في مجتمع ظالم. لقد عبّرت « صونيا » وبطريقة جيدة في الفيلم عن الوضع المتناقض للمجتمع الجزائري: من جهة يطالب الرجال بدعم النساء، نصف المجتمع، للحركة الشعبية من أجل التخلص من نظام ظالم يضطهدهم، ومن جهة أخرى لا يريدون الاستماع إليهن حين يستنكرن قانون الأسرة، الذي وضعه الرجال، وما يلحق بهن من ظلم بسببه. أما فيما يخص مسألة الجنس التي طرحت في الفيلم، لا يخفى على أحد أن الكبت الجنسي في المجتمع الجزائري مشكلة كبيرة وخطيرة على توازن المجتمع وسلامته، الذي يظهر في الكلمات التي تقال في كل الشوارع إلى النظرات البذيئة إذا لم يصل ذلك إلى حد الاغتصاب. لذلك مهما كانت الكيفية التي عبر من خلالها المشاركين في الفيلم عن آراءهم، فإن المهم أنهم طرحوها وكان من المفروض آن تكون النقطة المهمة التي تستخلصها من الفيلم ، أن يؤدي ذلك إلى فتح باب النقاش حول هذه القضايا الحساسة والأساسية ولا بد من النظر فيها باهتمام كبير وبالموضوعية الازمة إذا أردنا معالجتها. سهل على الإنسان أن ينكر وجود المشاكل و لكن هذا لا يعني  أنها غير موجودة ، لا يعاد علي حلها. 

لا تتحقق الحرية السياسية بدون الحوية الاجتماعية والفردية و لا وجود لثورة سياسية بحتة.

من المشاكل التي طرحها الفيلم أيضا غياب الحرية الفردية في المجتمع الجزائري. في الحقيقة يكفي أن ننتبه قليلا لحديث الرجال والنساء لكي ندرك أن الجميع يشكوا من مجتمع يضطهدهم ولا يترك لهم مجالا الحرية الفردية التي هي أساسية لراحتهم وترعرعهم النفسي والاجتماعي.  المشكل أن الحرية التي يطالبون بها تخيفهم في نفس الوقت. هذا الخوف راجع إلى كون مسألة الحرية لم تطرح، في ثقافة المجتمعات الإسلامية، كموضوع فلسفي اجتماعي وسياسي ونفسي وحتى ثقافي. لذلك ما تزال كلمة الحرية في ثقافتهم التقليدية مرادفة للانحلال اخلاقي والإلحاد والعصيان. 

هذا التصور السلبي لمفهم الحرية هو الذي جعل الأغلبية يعتبر أن الحرية التي يطالب بها الحركة الشعبية لا تتعدى المجال السياسي أي المطالبة بالديمقراطية، بالحق في التعبير عن الرأي السياسي والإفراج عن المعتقلين، ولا يمكن لأي حرية فردية أو اجتماعية أن يكون لها مكان في حركتهم.  والحقيقة أن الحرية السياسية بدون الحرية الاجتماعية والفردية لا يمكن أن تتحقق مثلما لا يمكن أن تكون هناك ثورة سياسية بحتة. لذلك فإن الذين يتهمون المخرج بتشويه الحركة الشعبية الجزائرية ينبع من تصور خاطئ للثورة. يعتقدون أن الأمر يختصر في التغيير السياسي الذي يتعلق بأساليب ممارسة السلطة وأي موضوع آخر خارج هذا الإطار هو عرقلة للثورة وتآمر عليها. وهنا يكمن خطأهم.  يمكن لأي ثورة حقيقية أن تحدث إذا لم تمس جانبي المجتمع: الجانب السياسي المتعلق بالدولة وكيفية ممارسة السلطة وعلاقتها بالفرد والجانب الاجتماعي المتعلق بالفرد وعلاقته مع الآخر ومع بيئته وأية مطالبة بالتغيير في جانب واحدا دون الآخر غير ممكن.

الشعب الذي يندد بالقمع يمارس القمع 

النقطة الثانية التي نلاحظها في رد فعل الجزائريين هي ممارسة العنف اللفظي على شكل الشتم والتشهير بالأشخاص. مثلما هو الحال مع جميع الأفلام وجميع الكتب وجميع الأعمال الفنية، ليس فمروضا أن يحب كل الجزائريين الفيلم الوثائقي أو أن يحبوا كل شيء ورد فيه. بل بالعكس لا بد من النقد لأنه ضروري للتعمق في البحث ولأنه يسمح بتوليد أفكار أخرى جديدة الشرط الوحيد أن يكون مدعما بالأدلة المنطقية والعلمية لكي يكون نقد بناء.  أما العنف سواء كان جسديا أو لفضيا غايته القمع لذلك فهو لا يولد أي شيء جديد ولا يغير من حالة المجتمع بل يزيدها فسادا وتعقيدا.  

والمؤسف في الأمر أن الشعب الذي يندد بالقمع الذي تمارسه السلطة في حقه يمارس بدوره القمع ضد كل من يخالفه. إن الشعب الذي عانى كثيرا من العبارة: « أنت لا تعرف ما يحدث، انت ضحية تلاعب من قبل الخارج »، يستخدم اليوم نفس العبارة ونفس الاتهامات: « المخرج في خدمة فرنسا والشباب تم التلاعب بهم ». إن الجزائريين الذين سخروا كثيرا من الدولة التي كانت تختبئ وراء «اليد الخارجية » لعدم الاعتراف بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي كان الشعب يتخبط فيها، يستخدمها اليوم هو أيضا حتى لا يستمع إلى الرأي الآخر. إن الذين ينددون بغياب الحرية في التعبير يستعملون نفس الوسيلة لفرض رأيهم هذا ما يذكر بظاهرة الأب الذي يُمارس العنف ضد ولده لأنه كان ضحية عنف والده في طفولته. 

لقد كسر الشباب طابوهات مجتمع منافق ويكذب على نفسه

إن رد فعل السلبي والمبالغ فيه إزاء الفيلم يدل في الحقيقة أن المشاركين فيه، بوعي أو بدون وعي، قد طرحوا المشاكل التي مست المجتمع الجزائري في الصميم. لقد كسر طابوهات مجتمع يكذب على نفسه. وهذا ما يفسر العبارة التي كررها الكثير:  » الفيلم لا يمثلني » وكأن الكل يريد أن يقول: « أنا فاضل، أنا عفيف، أنا لا أشرب الكحول، أنا مسلم تقي أو مسلمة تقية وأتحدث العربية ». ولا يهم إذا كان أن الجميع يعلم جيدًا أن هذا الكلام لا يعبر عن حقيقة الواقع الجزائري. وكأن الكل يكذب على نفسه دون أن يقلقه الأمر في شيء. تماما مثلما تدعي الدولة أن الجزائر مسلمة فقط وعربية رغم أن هذا يخالف واقع وتاريخ الجزائر. هذه الظاهرة التي تؤدي عندما تشمل كل الأفراد إلى الهذيان الجماعي الذي يمكن تفسيره بالخطاب الديني مثلما نراه في حديث اللبناني محمد حسن الأمين الذي يقول  » إن الإسلام لا يعاقب الملحد بما هو ملحد، إنما يعاقب من يجهر بما هو ضد عقيدة المجتمع ». مما يعني أن الفرد يمكنه أن يكذب وينافق دون أي حرج ما دام ذلك يرضي المجتمع. 

خلاصة القول: الفيلم جعلنا أمر الواقع: أزمة الجزائر ليست ذات طبيعة سياسة فحسب، بل اجتماعية أيضًا. لا يمكن للجزائر الخروج من الأزمة التي تتخبط فيها منذ الاستقلال دون أن تواجه مشاكلها. هي الخطوة الأولى للتفكير الجاد في الحلول المناسبة له

عدناني رزيقة

© Le contenu de ce site est protégé par les droits d'auteurs. Merci de citer la source en cas de partage.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *