الحجاب، السلفية، الظاهرية، اصلاح الإسلام: حوار مع الفيلسوفة و عالمة في الفكر الإسلامي رزيقة عدناني

حوار مع Oumma.com

Lire le texte en Français

هذه ترجمة شبه الكترونية

امرأة ذات قناعات، من خلال الاستفادة الكاملة من روحها النقدية و صرامتها الفكرية الكبيرة، تفصح الفيلسوفة وعالمة الإسلام رزيقة عدناني إلى موقع « الأمة » ثمرة تفكيرها في الدين الإسلامي وفي الأسئلة الشائكة التي هي ترتبط ارتباطا وثيقا به: الحجاب، والسلفية، والشريعة، وإصلاح الإسلام. الكثير من الأسئلة المهمة المطروحة في المشرق و الغرب، التي هي موضوع نقاشات عاطفية كثيرة. في هذا الحوا ر الموثق والبناء الذي قدمته لموقعنا، والذي يوضح المواضيع والقضايا المجتمعية التي قد تبدو معقدة أو غامضة، هذه الاختصاصية في النصوص الدينية وتاريخ الفكر الإسلامي التي تعمل بالعقل  فقط لفهم التحديات التي تواجه الإسلام في هذا القرن الحادي والعشرين المضطرب ولكن أيضًا لتوفير مفاتيح للحلول.

أنت تسلطين الضوء على عيوب وتناقضات الفكر الإسلامي الظاهري آي المدرسة الظاهرية. وهي الأكثر انتشارًا بين السكان المسلمين وتشكل أساس التيار السلفي الأصولي. ما هي العيوب والتناقضات التي برأيك تميز هذا الفكر؟

في عملي في الفكر الإسلامي، طرحت على نفسي السؤال التالي: ما هو السؤال الأول الذي يوجد في أساس  كل الأسئلة الأخرى؟ لقد توصلت إلى استنتاج، بعد تحليل أهم الأسئلة، أن السؤال الرئيسي للفكر الإسلامي الذي تقوم عليه جميع الأسئلة الأخرى يتعلق بالفكر البشري والمكان الذي يجب أن تكون له كمصدر للمعرفة   أمام الفكر الإلهي.

 هذا السؤال المتعلق بالمعرفة أي بأبستمولوجيا،  قسم المسلمين، بعد وفاة النبي، بين أولئك الذين أرادوا أن يكون للفكر مكان كمصدر للمعرفة الشرعية والتفسيرية والدينية و الذين اعتقدوا أن المعرفة لا يمكن أن تكون إلا منزلة أي أتي بها الوحي. رفض هذا الموقف الأخير السماح للفكر البشري أن يكون مصدرًا للمعرفة.

 

تنتمي الظاهرية إلى هذا التيار الأخير. وهو معروف في اللغة العربية بمصطلح: النقل. أو مدرسة النقل التي تقوم على أخذ معنى النص كما يظهر من خلال الكلمات، ونقله إلى كتب التفسير. لذلك فإن الظاهرية هي أولا طريقة تتعلق بتفسير النصوص القرآنية. إنها تشكل أساسًا ابستمولوجيا لجميع المدارس تقريبًا التي عارضت مساهمة الفكر في بلورة معنى النصوص. يقول أصحاب الظاهرية أن منهجهم يقوم على التفسير النصوص القرآنية وليس التـأويل.

 

ووفقًا لمتابعي هذه المدرسة، فإن المفسر الذي يستعمل فكره عند التفسير يطلق العنان لمخيلته، مما يغير معنى النص. بينما المفسر الذي يكتفي بأخذ المعنى كما هو مكتوب في النصوص يحافظ على المعنى الأصلي للنص، يسمح التفسير بذلك موضوعيا ومكافئ للنص الأصلي  و مما يحافظ على النقاء النص المقدس.

 

هذا كلام جذاب للغاية بالنسبة لأي شخص مؤمن يريد الوصول إلى المعنى الحقيقي للنص القرآني. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الفكر يمكن أن يأخذ معنى النص الأصلي، وينقله كما هو في التفسير، هو وهم. إن الفكر ليس جهازًا فوتوغرافيًا يصور معنى النص تصويرا، والممارسة التأويلية أو فعل التفسير هو عملية فكرية تحدث بين عنصرين، القارئ والنص. لذلك لا يمكن أن يوجد تفسير بدون تدخل الفكر الذي هو ملكية فكرية ونفسية تشارك فيها العديد من الملكات الفكرية، مثل الخيال والذاكرة والذكاء. وهكذا، فإن ذاتية القارئ هي جزء من المعنى والموضوعية المطلقة التي يسعى إليها الظاهريون غير موجودة.

بالإضافة إلى هذا الوهم المعرفي، ترتكب الظاهرية العديد من التناقضات. من خلال اعتبار التفسير مكافئًا لمعنى النص، فإنها يتعارض مع مبدأ الوحدانية. لأن هذا يعني أن المعرفة البشرية تساوي بالضبط المعرفة الإلهية وأن الإنسان يمتلك الحقيقة الإلهية المطلقة والمقدسة.  الأساس في الإسلام، هو التوحيد، الذي يعني أنه لا يشترك الله في صفاته وعلمه وكماله أي من مخلوقاته. من خلال الاكتفاء بالمعنى الظاهري، يرتكب التفسير الظاهري أيضًا العديد من التناقضات التي تجعلها تعطي لنفس الدين ونفس الكتاب معاني متناقضة تمامًا  و حتي من آية إلى أخرى.

السلفيون، الذين يعتبرون السلف يملكون الحقيقة الإلهية المطلقة، يرتكبون نفس التناقض مع مبدأ الوحدانية. السلفيون يعتبرون السلف و كأنهم يملكون الحقيقة المطلقة و كآنهم  آلهة و يتلقون الوحي.

تسببت هاتان النظريتان، الظاهرية والسلفية، في ضرر كبير للمسلمين. هم السبب المباشر لهزيمة الفكر والعقل والذكاء في العالم الإسلامي مما أدى إلى انهيار حضارته. وحتى اليوم، فإن الغالبية العظمى من المسلمين، بمن فيهم الشباب، لا يستخدمون قدراتهم الفكرية عندما يتعلق الأمر بدينهم. إنهم يكررون فقط ما قيل لهم دون أي تساؤل، الأمر الذي له تأثير سلبي على جميع مجالات حياتهم الفكرية والعلمية والاجتماعية والسياسية.

 

أنت تقول إنه في عصر القرن الحادي والعشرين، تطرح الشريعة مشكلة ليس فقط في الغرب، حيث تمثل سؤالًا أكثر تعقيدًا حيث يتم الإفراط في استخدام الكلمة نفسها ومعناها العميق، ولكن أيضًا في البلدان الأغلبية الإسلامية. لماذا يثير هذا البعد القانوني للإسلام الكثير من الأسئلة؟

 

في الأصل، مصطلح الشريعة يعني الدين الإسلامي. ثم استعمل بعد ذلك للإشارة إلى نظام قانوني موجود أو مستمد  من الآيات القرآنية، والتي تنظم حياة المسلمين بأكملها أي التي تتعلق بممارسة العبادة في بعدها الروحي وكذلك التنظيم الاجتماعي. مصطلح الشريعة يستخدم اليوم أكثر فأكثر للإشارة إلى  القواعد الاجتماعية والسياسية للإسلام فقط، و دون تمييز بين ما هو مكتوب في النصوص القرآنية وما هو مستنتج منها أي الفقه. هذه هي المشكلة الأولى في الشريعة الإسلامية اليوم.

هناك أيضًا حقيقة أخرى: أن المسلمين يعتبرون أن تطبيق القواعد القانونية والاجتماعية للشريعة هو ممارسة الدين والطريق الذي يؤدي إلى الله. وهكذا، في حين أن الإسلام دين، فهذا الموقف من الشريعة كقوانين اجتماعية و سياسية يحوله إلى القانون اجتماعي و سياسي  أكثر ما هو دين ذو بعد روحي مما يغير طبيعته.

 

إن اعتبار قواعد الشريعة هي تعبير للإرادة الإلهية الموجودة في القرآن، هو خطأ آخر يطرح مشكلة دينية و منطقية كبيرة. لأنه في حالة وجود قوانين معينة في القرآن، فإن الإنسان هو من استخرجها من النصوص وأعطى لها وجهها المعروف. لا يتشارك البشر معرفة الله ولا يمكنهم إدراك عالمه. لذلك لا يمكن للإنسان أن يقول، احتراما لمبدأ التوحيد، أن ما يعرفه عن الأحكام الشرعية هي بالضبط ما يقوله القرآن.  هناك مشكلة أخرى: إن قواعد الشريعة لا تسوي بين الناس. الشريعة تعطي المرأة مكانة أدنى، أي تعتبر المرأة كائنا من الدرجة السفلى وتعتبر الرجل من كائنا من الدرجة العليا. كل تمييز قائم على الاعتبارات الجنسية ظلم هل يكون الله غير عادل؟ الظلم نقص والله هو الكائن الكامل.

 

يريد المسلمون أن تكون قواعد الشريعة صالحة لجميع الأوقات والأماكن. هذا يطرح مشكلة كبيرة في مجتمعاتنا الحالية ما دامت هذه هي القوانين قد نظمت المجتمع العربي في القرن السابع ونحن في القرن الواحد والعشرين من جهة.   ومن جهة أخرى فهي قوانين لا تتفق مع القيم الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الحالية للإنسانية، وفي أولها المساواة التي ذكرتها منذ حين. القيمة الثانية للحداثة التي لا تعترف بها الشريعة والتي تطرح مشكلة كبيرة  اليوم هي الحرية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي وحقوق الإنسان. إن رفض حرية الفكر هو مشكلة كبرى في المجتمعات الإسلامية، لأنه يشكل عقبة أمام تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وقبل كل شيء التطور الفكري والعلمي والإنساني.

إن فرض قواعد الشريعة الإسلامية على المجتمعات اليوم ينطوي على إنكار التاريخ وقرون من التطور البشري. يجب أن تأخذ القوانين التي تدير المجتمعات بعين الاعتبار عنصرين، عنصر الزمان والمكان، حتى لا تكون جائرة، ولا تخنق الفرد والمجتمع. و تسبب في عودة المجتمعات الإسلامية  إلى الوراء كلما خطت خطوة إلى الأمام مثلما رأينا مع الدستور الجزائري الذي أزال حرية الضمير وحقوق الإنسان من باب الحريات للتوافق مع الشريعة الإسلامية.

في الغرب، تعتبر مشكلة الشريعة أكثر حدة، لأن هذه المجتمعات لها نظامها الاجتماعي والسياسي الخاص بها. لا يعارض قانون الشريعة قيم هذه المجتمعات فحسب، بل يريد أن يثبت نفسه كنظام قانوني وسياسي موازي، بينما لا توجد دولة تقبل أن يكون لها نظامين سياسيين وقانونيين إلا إذا انقسمت إلى دولتين.

في فرنسا، تبرز المشكلة بشكل أكبر لأن الجمهورية الفرنسية علمانية، بينما يرى غالبية المسلمين أن قواعد الشريعة أهم من قوانين الجمهورية. وكذلك لأن الإسلام يمارس أكثر في المجال العام فهذا يشكل مشكلة للجمهورية ويهدد العلمانية.

 

هل هناك حل للمسلمين الذين يعتقدون أن الشريعة لا تنفصل عن الإسلام؟

 

كل هذا يتوقف على معنى مصطلح الشريعة. وبحسب أصل الكلمة، تأتي الشريعة من الكلمة العربية « الشرعة » ، والتي كانت تشير في الأصل إلى منبع المياه. ثم تم استخدامه للإشارة إلى الطريق الذي يؤدي إلى المنبع. بالنسبة للمسلمين في البداية، الشريعة هي الطريق الذي يقود إلى الله كمصدر الحياة أو الكون، وبهذا المعنى استخدمها ابن رشد في عنوان كتابه: فصل المقال فيما بين الحكمة أو الشريعة من الاتصال.

 

في هذه الحالة، لا يكمن هذا الطريق الذي يؤدى إلى الله بالضرورة في تطبيق القواعد القانونية. التأمل الروحي رغبة في الاتصال بالله هو أيضا شريعة. كذلك محبة الآخرين واحترام كرامة الإنسان التي من خلالها يحترم المؤمن خلق الله، يجب أن يكون طريقا إلى الله، أي الشريعة. لابد لهذا أن يراجع المسلمون مفهومهم لمصطلح الشريعة و قبل ذلك يجب أن يحرروا أنفسهم و عقولهم  من السلفية والظاهرية السبب في التخلف الاجتماعي و السياسي لمجتمعاتهم .

 

أما بالنسبة لفكرة أن قواعد الإسلام صالحة في جميع الأوقات والأماكن، فهي تكون ممكنة فقط بشرط واحد أن يقوم المسلمون بعمل كبير في إصلاح دينهم حتى. لا تتعلق تلك القواعد إلا بالمبادئ الأخلاقية العامة كالعدل والمساواة والكرامة والمحبة والاحترام والرحمة. يجب أن تكون هذه المبادئ هي المبادئ الأخلاقية للشخص لمؤمن. أما القوانين التي تنظم سلوكه كمواطن، كذلك سلوك المجتمع وتنظم الدولة فتلك يجب أن تكون مصدرها العقل وليس الدين.

 

لقد لاحظت تناقضات في منطق ارتداء الحجاب ، وهو ما يعتبره كثير من المسلمين واجبا مطلقًا منزلا لا يقبل الجدل. ما الذي يجعلك تستنتج أن وجوب تغطية المرأة المسلمة لشعرها تتعارض مع الآيات القرآنية؟

 

بالنسبة للعديد من المسلمين، فإن ارتداء الحجاب هو واجب ديني أساسي ويرى العديد منهم أنه دليل على انتماء المرأة إلى الدين الإسلامي. من ناحية، على المستوى الديني، الحجاب ليس مبدأً مؤسسًا للإسلام، ولا مبدأً لممارسته. إن المبادئ المؤسسة للإسلام هي الإيمان بوجود إله واحد وبنبوة محمد وبقداسة القرآن. أما مبادئ ممارسة الإسلام فهي الشهادتين، والصلاة، والزكاة، والحج والصوم. من ناحية أخرى، اعتبار ارتداء الحجاب أمرا قرآنيا يتعارض مع النص القرآني. لأن الآيات الثلاث التي تنصح المرأة بطريقة معينة في اللباس لا تذكر شعرها ولا رأسها. وهكذا فتغطية الشعر الذي هي الجزء الرئيسي من الحجاب، الذي بدونه لا يمكن اعتبار المرأة محجبة، لا يظهر في القرآن بتاتا. ولا ننسى أن نتذكر أنه لا يكفي أن يذكر حكما في القرآن حتى يصبح إلزاميا. والدليل أن المسلمون لا يطبقون كل ما ورد في القرآن من توصيات. فالمسلمون لا يشربون الخمر بينما هناك آيات تسمح نشرب الخمر ولا يمارسون العبودية منذ القرن التاسع عشر وهناك آيات كثير تحلل العبودية مثلا. لماذا لما يتعلق الآمر بالمرأة يصبح أي تغيير مستحيل بإسم الدين؟

 

لتبرير هذه الحجاب، يزعم أتباعه أن الرجل غير قادر على السيطرة على غرائزه الجنسية أمام مرأي جسد المرأة. لذلك، فإن الطريقة الوحيدة للمرأة لحماية نفسها من اعتدائه الجنسي هي إخفاء جسدها تحت الحجاب. يقدم هذا التبرير الرجل على أنه مادة بلا روح، أو جسدًا بلا فكر، أو حتى حيوانًا لا تسيره إلا غرائزه. وهكذا ينزع منه هذا التبرير مسؤولية على أعماله وينزع عنه إنسانيته الأمر الذي يطرح مشكلة أخلاقية واجتماعية كبيرة، كما أوضحت في كتابي  » المصالحة الضرورية  ». كيف يمكن للإنسان أن يكون كائنا اجتماعيا وأخلاقيا إذا كان ليس مسؤولا على أعماله أو يعتقد أنه ليس مسؤولا عنها. كيف

 

من الناحية المنطقية والدينية فإن الحجاب كما يقدمه المدافعون عنه يتناقض مع طبيعة الدين. بالطبع لا ينكر الدين الجسد لكنه ينتمي إلى مجال الروحي وليس إلى مجال المادة، من جهة، ومن جهة أخرى ، تقوم فلسفة الدين برمتها على التحكم في  الذات أي النفس. لنأخذ الصوم كمثال، فقد أسسته الديانات التوحيدية الثلاث كممارسة تبين من خلالها قدرة للفكر والنفس في السيطرة على الجسد واحتياجاته. إذا كان البشر غير قادرين على السيطرة على غرائزهم، فإن الصيام سيكون مستحيلاً.

 

الآية 32 من السورة 33 « الأحزاب، بهذا المعنى مثيرة للاهتمام. لأنها تصف الرجل الذي لا يحسن التصرف أمام النساء بأنه « مصاب بمرض في قلبه ». هذا يسمح لنا أن نستنتج أن السلوك الغير اللائق لا يصدر من رجل عادي ، بل من شخص مريض. وبالتالي، ووفقًا لهذه الآية، فإن تعميم مثل هذا السلوك و اعتبار كل الرجال  غير قادرين على التحكم في غرائزهم كطبيعة فيهم من أجل تبرير الحجاب لا يتناقض تماما مع ما تقول به هذه الآية القرآنية.

 

وأخيراً الحجاب ممارسة عنصرية ضد المرأة لأنه فرض على المرأة واليس على الرجل وأي تمييز فهو ظلم. مما  يطرح مشكلة أخلاقية، الأخلاق التي تقوم على العدل و قانونية كبيرة، القانون الذي يقوم على المساوات بين كل المواطنين.

 

فيما يتعلق بقضية اصلاح الإسلام، لماذا تعتقدين أنه من واجب المسلمين ، بل والأكثر من ذلك واجبهم؟ لماذا يجب معرفة الأسباب الكامنة وراء ما لا يوصف: ارتكاب أعمال إرهابية باسم دينهم؟

 

إن العنف باسم الإسلام هو في الواقع أفة تضر بالإسلام والمسلمين وغير المسلمين. في فرنسا، حاولت النظرية الاجتماعية تفسير الأصولية والإرهاب بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، بدعوى أن أعمال الإرهاب لا علاقة لها بالإسلام. من خلال تحديد مجال بحثها على فرنسا والتركيز فقط على المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، فشلت هذه النظرية في فهم ظاهرة الإرهاب الإسلامي وفشلت في تقديم أساليب فعالة لمكافحتها.

 

لفهم العنف باسم الإسلام، من الضروري الاعتراف بمسؤولية الإسلام، أي مسؤولية النصوص القرآنية والنظريات والمفاهيم التي تحيط بهذه النصوص. هذه هي الطريقة الوحيدة للتمكيين من الكفاح الفعال ضد هذه الآفة.

 

أنت تنتقدين الحركة الإصلاحية بشكل خاص. لماذا تقول إنهم حاجز أمام إصلاح للإسلام؟

نعم، لقد أصبحت أبديت  اهتماما،  في وقت مبكر جدًا ، بمسألة إصلاح الإسلام وحاولت أن أفهم لماذا  لم يتمكن المسلمون من ذلك  بينما شهد الفكر الإسلامي تيارًا إصلاحيًا ، في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين  أراد الإصلاح الإسلام لجعله أكثر توافقًا مع الحضارة الحديثة.

 

فشلت هذه الحركة لأسباب عديدة.  منها ما هو مرتبط بقرارات سياسية وثقافية للمجتمعات الإسلامية الغارقة في التيار المحافظ.  وأخرى مرتبط بعمل الإصلاحيين منها على سبيل المثال، طالبوا بالاجتهاد، وهو عمل فكري، لكنهم يذكروا باستمرار بالمجالات التي يجب إبعادها عن هذا الاجتهاد. تحت سيطرة الخطاب الديني القديم، هم يستبعدون الآيات التي تثير إشكالات بالتالي تلك التي كانت بحاجة إلى الإصلاح.

كذلك اكتفى الإصلاحيون بإعادة تفسير بعض النصوص، بحثًا عن قوانين تشريعية أخرى أكثر ملاءمة للمجتمع الجديد. لكن إعادة التفسير وحدها لا يمكن أن تحقق الإصلاح الذي يحتاجه الإسلام والمسلمون.

هذا لأن لم يكن الإصلاحيون قادرين على التحرر من نظرية المعرفة السلفية. وبالتالي، كانوا جميعًا يسعون لإثبات أن نهجهم لم يكن ابتكارًا، بل ليس إلا عودة إلى المعرفة الحقيقية للقدماء. كان هذا هو خطاب محمد عبده الي يعتبر أب النهضة. وقد تبعه في ذلك جميع الإصلاحيين تقريبًا. هذا هو طبيعة الإصلاح الذي طالبوا به الذي لا ينظر إلا إلى الماضي، وهو مستمر حتى يومنا هذا. وهو ما أسميه بالسلفية الحديثة، لأنها تدعي الدفاع عن القيم الحديثة ولكنها تبقى سلفية.  هي تسيء بالإصلاح الإسلام تماما مثل السلفية التقليدية.

لم يتمكن هؤلاء المصلحون أيضًا من تحرير أنفسهم من النظريات والمفاهيم والمبادئ القديمة التالي سيطرت على الفكر الإسلامي منذ نهاية القرن الثاني عشر. ، كلها  النظريات والمفاهيم والمبادئ لا يؤيد الفكر ولا الذكاء. ومن هذه النظريات: الظاهرية، نظرية القرآن غير المخلوق، السلفية، نظرية الكشف والموالي في الصوفية.

أما بالنسبة للمبادئ، فقد برز على وجه الخصوص اثنان: الأول الذي يقول: « إن الدين مسألة قلب وليس مسألة عقل »، والآخر يقول: « كل بدعة ظلال ». لهذا يجب أن يتعلق إصلاح الإسلام أيضًا بالفكر الإسلامي ، لأن هذا هو الذي يحدد علاقة المسلمين بالنصوص القرآنية.

قلة قليلة من المصلحين، مثل أمين الخولي (1895-1966) وخلف الله (1916-1991) وطه حسين (1889-1973)، الذين ذهبوا إلى أبعد من ذلك. لقد أرادوا تأسيس علاقة جديدة بالنص وفكر إسلامي جديد. هذا هو العمل الذي يمكن تسميته بالإصلاح، لكن فكر هؤلاء الإصلاحيين لم يكن من يستطع  أن يسود ، لأن عددهم قليل للغاية وكان رد المحافظين عليهم قاسياً للغاية.

 

إذن، ما يجب أن يتغير جذريًا هو مفهوم الإصلاح نفسه، بمعنى آخر، معناه، هدفه ، ولكن أيضًا نطاقه. يجب أن يكون إصلاحًا يتناول الإسلام عن عمق ويتجرأ على التفكير فيما كان يبدوا من الممنوعات على الفكر، على حد تعبير محمد أركون. لم تستطع الحركة الصلاحية الإسلامية، التي يقتصر الإصلاح عندها على تصحيح ما فسد من الإسلام من أجل استرجاع صورته  السابقة ، أن تصلح  الإسلام. لهذا أقول إن هذا إصلاح يجب أن يكون موجهاً نحو المستقبل. ولكي يكون « إصلاحًا حقيقيًا » ، يجب أن يكون قطعًا جذريًا عن طريقة موروثة من الماضي في فهم الإسلام  وممارسته من أجل بناء إسلام جديد انطلاقا من نفس النصوص ، إسلام يكون متكيفا مع حقوق الإنسان و السلام والمساواة والكرامة الإنسانية.

 

إصلاح يجب أن يتناول الإسلام بعمق. أذكر أن إصلاح المسائل الإدارية للدين الإسلامي الذي تريده الدولة الفرنسية ليس إصلاحًا للإسلام كما يعتقد البعض. لا يمكن أن يكون هناك إصلاح للإسلام ما لم يتناول الإسلام كدين.  لا يمكن أن يكون هناك إصلاح للإسلام في فرنسا ، بمعزل عن البلدان الإسلامية الأخرى. من الخطأ الاعتقاد بأنه يمكننا إنشاء إسلام خاص بفرنسا يكون جمهوريًا وحديثًا، بينما في بلدان أخرى يظل إسلامًا تقليديًا وعتيقًا. هذا هو السبب في أن هذا الإصلاح يجب أن يكون إصلاحًا للإسلام نفسه وليس إصلاحًا للإسلام في فرنسا.

 

أنت تعتقد أن الوقت قد حان لاستعادة نبل الفكر والانتهاء من النظرة السلبية من العقل. كيف تفسرين عدم الثقة في التفكير النقدي و في العقل لدى المسلمين؟

 

كل هذه النظريات والمفاهيم التي ذكرتها من حين، والتي تنتمي إلى الفكر الإسلامي القديم، تهدف إلى منع الفكر الإبداعي والعقلاني عن التعبير. إنها كلها تستند إلى صورة سلبية للفكر والعقل تقدمه كخطر مهدد للدين. ولهذا يجب أن يبدأ إصلاح الإسلام بإعادة هذا الفكر الإبداعي العقلاني نبله. هذا هو الشرط الضروري للتحرر من الخطاب الديني القديم وبالتالي لتحقيق الإصلاح الذي يحتاجه الإسلام و المسلمين.

كل تخلف المجتمعات الإسلامية يأتي من هذا التمثيل السلبي للفكر العقلاني والإبداعي.

 

لقد سمعنا منذ أكثر من قرن ونصف عن إصلاح الإسلام، دون أن يحدث أي شيء، لدرجة أنه أصبح حلمًا . برأيك ما الذي يجب إصلاحه كأولوية ومن ستكون له الشرعية والسلطة لتحقيق ذلك؟

كما قلت منذ حين، إنه إصلاح يجب أن يبدأ بإصلاح صورة الفكر العقلاني والإبداعي في فكر المسلمين. منذ قرون طويلة و  هذا الفكر يشار إليه على أنه عدو للوحي و للدين. مبدأ « كل بدعة ضلال » والذي يقول إن « الدين مسألة قلب وليست مسألة عقل » وكذلك النظريات الظاهرية والسلفية والصوفية التي تهدف كلها إلى اسكات العقل وعدم السماح به بالتعبير. ومن الواضح أن هذا الفكر لن يتمكن من أداء وظيفته الذي هو شرط هذا العمل الإصلاحي، دون إعادة تأهيله.  إن المجتمع الذي يخاف من الفكر و الذكاء لا يمكنه أن يستعملهما و الذي لا يستطيع أن ستعملهما لا يمكنه أن يصلح ليس فقط الإسلام ولكن  كذلك المجتمع و السياسة.

أما بالنسبة لشرعية السلطة القادرة على القيام بهذا العمل، فإني أقول إنه من المهم قبل كل شيء أن يتم إصلاح الإسلام من قبل المسلمين، ثم أقول من قبل islamologues.  un islamologue الذي هو الشخص الذي يتناول الإسلام كموضوع للتفكير الموضوعي، أي  كعالم. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، هو الشخص الذي يتخلص من أفكاره المسبقة  عند البحث. un islamologue  لا يبحث عن الحقيقة و ليس اثبات صدق حقيقته  

 
 

في كتابك الأخير « عدم الاستسلام، نصوص وأفكار »، تتناولين مسائل الهوية والعلاقة مع الآخرين والعنف. بالنسبة لبعض المسلمين، أصبح الإسلام هوية، بالنسبة للآخرين، قانونًا شرعية. ما هو الاسلام حقا؟

قلت منذ حين أن السؤال الأساسي في الفكر الإسلامي يتعلق بالفكر والمكانة التي يجب أن تكون له كمصدر بالمعرفة بعد الوحي.  السؤال الثاني يتعلق بمفهوم أو تعريف الإسلام وبالتالي تعريف المسلم أيضا: ما هو الإسلام؟ كيف يكون الإنسان مسلما؟ هل الإسلام هو فقط الإيمان أم هو إيمان وعمل أي تطبيق الأحكام الاجتماعية التي توصي بها النصوص؟ هذا سؤال كان له، بدوره ، تأثير كبير على تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين ، بأمس وكذلك اليوم. الجواب الذي أعطاه المسلمون لهذا هو الذي يحدد كيف أصبح الإسلام اليوم.

 

لقد أثير هذا السؤال لأن في الحقيقة الإسلام دين والدين بطبيعته يتعلق بعالم الروحاني.  ولكن عدة آيات تتحدد عن القواعد الأخلاقية والاجتماعية الواجب اتباعها. في وقت مبكر جدًا من تاريخ الإسلام، أراد بعض المسلمين آن يكون إسلامهم روحيًا يتعامل مع الارتباط بالله، وليس نظامًا قانونيًا، مما أدى إلى ظهور الصوفية. الأمر الذي رفضه الفقهاء الذين رأوا أن الإسلام لا ينفصل عن البعد القانوني. وموقفهم هو الذي ساد في النهاية إلى درجة أن الصوفية نفسها أصبحت تعترف بالبعد القانوني للإسلام.

هذا المفهوم للإسلام الذي يعطي اهتماما كبيرا للقوانين الاجتماعية، بالإضافة إلى الموقف السلبي من الفكر، هما السببين الجذريين لجميع المشاكل التي يعرفها في الإسلام اليوم ، والتي يواجهها المسلمون في مجتمعات الإسلامية اليوم و كذلك يطرحان الكثير من المشاكل لغير المسلمين أيضًا .  لأن المسلمين لا يعيشون وحدهم في هذا العالم بل يعيشون مع الغير. لهذا السبب لا يمكن لإصلاح الإسلام الاستغناء عن الفصل بين الإسلام والسياسة، يجب أن يكون هذا الفصل هو الهدف الأساسي لهذا الإصلاح. لا بد ألا يكون الإسلام سياسة بل دين يتعامل مع الروحانيات ولا يهتم بتنظيم الدولة. أكبر ضرر يمكن أن يحدث للدين هو تحويله إلى سياسة.

 
 
 
 
© Le contenu de ce site est protégé par les droits d'auteurs. Merci de citer la source en cas de partage.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *